السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

369

مفاتيح الأصول

الجوارح يمنع من قبول شهادته وليس بمانع من قبول روايته ولأجل ذلك قبلت الطائفة أخبار جماعة هذه صفتهم انتهى للقول الأول وجوه منها الأصل ومنها تضمن جملة من الكتب دعوى الإجماع على اشتراط ذلك وعلى عدم قبول رواية الفاسق ففي شرح المبادي يشترط أن يكون عادلا وأن لا يكون مجهول الحال عند الإمامية والشافعي وفي النهاية الفاسق إذا أقدم على الفسق عالما بكونه فسقا لم يقبل روايته إجماعا وفي المنية أن الفاسق إما أن يكون عالما بفسقه أو لا والأوّل مردّد الرواية إجماعا سواء كان فسقه مظنونا أو معلوما وفي التعليقة لجدي رحمه الله العدالة شرط للعمل بخبر الواحد عند القدماء والمتأخرين ثم قال قال الشيخ في العدة من شرط العمل بخبر الواحد العدالة بلا خلاف ومنها ما تمسك به في النهاية والتهذيب والمبادي والمنية وشرح الدراية وكنز العرفان وزبدة البيان والمعالم من قوله تعالى إن جاءكم إلى آخره إذ لو كان الفاسق مقبول الرواية لما وجب التبين في خبره كما لا يجب في خبر العادل ومنها العمومات المانعة عن العمل بغير العلم خرج خبر العادل بدليل قطعي وهو مفقود بالنسبة إلى خبر الفاسق فيبقى مندرجا تحتها وقد أشار إلى هذه الحجة في شرح المختصر ومنها أن العمل بخبر الفاسق ركون إلى الظالم فيكون منهيّا عنه لعموم قوله تعالى ولا تركنوا إلى آخره ومنها أن الفاسق لو جاز الاعتماد على خبره لكان مساويا للمؤمن العادل من هذه الجهة والأصل عدم التساوي لعموم قوله تعالى أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون وقوله تعالى لا يستوي أصحاب الجنّة إلى آخره ومنها أن الفاسق لا يسمع شهادته فلا يسمع خبره بطريق أولى ومنها أن الفاسق لا يجوز الاقتداء به في الصلاة فلا يجوز سماع خبره بطريق أولى وللقول الثاني أمور أحدها ما أشار إليه في العدة من عمل الطائفة بأخبار غير العدول وأجاب عنه في المعارج فإنه قال عدالة الراوي شرط في العمل بخبر الواحد وقال الشيخ يكفي كونه متحرزا عن الكذب في الرواية وإن كان فاسقا بجوارحه وادعى عمل الطائفة على أخبار جماعة هذه صفتهم ونحن نمنع هذه الدّعوى ونطالب بدليلها ولو سلمناها لاقتصرنا على المواضع التي عملت فيها بأخبار خاصة ولم يجز التعدي في العمل إلى غيرها ودعوى التحرز عن الكذب مع ظهور الفسق مستبعد إذ الذي يظهر فسوقه لا يوثق بما يظهر من تحرجه عن الكذب انتهى وقد حكى هذا الجواب في المعالم ساكتا عليه فظاهره اختياره وفيه نظر أما أولا فلأن منع عمل الطائفة بأخبار غير العدول بعيد عن الإنصاف جدا فإن من تتبع كتب الأصحاب وجد عملهم بها في غاية الوضوح وقد صرّح بذلك جدي رحمه الله في التعليقة فقال في جملة كلام له الظاهر أن اشتراطهم العدالة لأجل العمل بخبر الواحد من حيث هو هو من دون حاجة إلى التفتيش والانجبار بشيء كما هو مقتضى دليلهم ورويتهم في الحديث والفقه والرجال فإن عملهم بأخبار غير العدل أكثر من أن يحصى وترجيحهم في الرجال قبولها منهم بحيث لا يخفى حتى أنها ربّما يكون أكثر من أخبار العدول التي قبلوها فتأمل والعلامة رتب خلاصته على قسمين الأوّل فيمن اعتمد على روايته أو يترجح عنده قبول روايته كما صرّح به في أوّله ويظهر من طريقته في هذا القسم من أوّله إلى آخره أنّ من اعتمد به هو الثقة ومن ترجح عنده الحسن والموثق ومن اختلف فيه الراجح عنده القبول وسيجيء في حماد السمندري أن هذا الحديث من المرجحات لأن الدلائل على التعديل وفي الحكم بن عبد الرحمن ما يفيد ذلك وكذا في كثير من التراجم ونقل عنه في ابن بكير أن الذي أراه عدم جواز العمل بالموثق إلا أن يعتضد بقرينة وفي جميل بن زياد فالوجه عندي أن روايته مقبولة إذا خلت عن المعارض فربما ظهر من هذا فرق فتأمل وأيضا من جملة كتبه كتاب الدرّ والمرجان في الأحاديث الصحاح والحسان وأيضا قد أكثروا في الرجال بل وفي غيره أيضا من ذكر أسباب الحسن أو التقوية أو المرجوحية واعتنوا بها وبحثوا عنها كما اعتنوا وبحثوا عن الجرح والتعديل ونقل المحقق عن الشيخ أنه قال يكفي إلى أن قال وسنذكر عن عدة الشيخ ما يدل على عملهم برواية غير العدول مع أنه ادعى فيها الوفاق على اشتراط العدالة لأجل العمل فتأمل وعن المحقق في المعتبر أنه قال أفرط الحشوية في العمل بخبر الواحد حتى انقادوا لكل خبر وما فطنوا لما تحته من التناقض فإن من جملة الأخبار قول النبي صلى الله عليه وآله ستكثر بعدي القالة علي وقول الصادق عليه السلام إن لكل رجل منا رجلا يكذب عليه واقتصر بعض عن هذا الإفراط فقال كل سليم سند يعمل به وما علم أن الكاذب قد يصدق والفاسق قد يصدق ولم ينبه على أن ذلك طعن في علماء الشيعة وقدح في المذهب إذ لا مصنف إلا وهو قد يعمل بخبر المجروح كما يعمل بخبر العدل وأفرط آخرون في طرف ردّ الخبر إلى أن قال وكلّ هذه الأقوال منحرفة عن السنن إلى آخر ما قال فإن قلت مقتضى دليلهم التثبت في خبر غير العدل إلى أن يحصل العلم قلت على تقدير التسليم معلوم أنهم يكتفون بالظن عند العجز عن العلم انتهى لا يقال لعل استنادهم إلى أخبار غير العدول الَّتي هي من الآحاد باعتبار احتفافها بالقرائن المفيدة للقطع بصدقها أو بالقرائن المفيدة للظن بذلك ومحلّ البحث هو المجرد عن القرائن مطلقا ولو كانت ظنية لأنا نقول الاحتمال المذكور في غاية الاستبعاد بل يمكن القطع بعدم الاستناد إلى القرائن المفيدة للقطع وأما احتمال الاستناد إلى القرائن المفيدة للظنّ فهو مع بعده لا يجدي إذ صحّة الاستناد إليها لا وجه له سوى أصالة حجية الظن إذ مع الإغماض عنها لا يجوز الاستناد إليها لعدم الدّليل القاطع على حجية هذا الظن مع أن عمومات الكتاب والسّنة المانعة عن العمل بغير العلم تمنع من حجيته مضافا إلى الأصل العقلي ومن الظاهر أن أصالة حجية الظن على تقدير تماميتها كما هو التحقيق تقتضي حجية خبر الفاسق المتحرز عن الكذب ومجهول الحال الَّذي لم يثبت عدالته كما لا يخفى فتأمل وأما ثانيا فلأن قوله ولو سلَّمناها إلى آخره مدفوع بأن الظاهر أن كلّ من جوّز الاعتماد على خبر الفاسق المتحرّز عن الكذب في الجملة وفي مورد خاص جوّزه مطلقا فالتفصيل خرق للإجماع المركب المؤيّد بإمكان دعوى تنقيح المناط وبعد احتمال مدخلية خصوصية المورد في الحجية وبأن الموارد الَّتي عمل فيها بخبر غير العدل كثيرة في الغاية فالاستقراء تمنع من التفصيل فتأمل وأما ثالثا فلأن قوله ودعوى التحرز